مصطفى مسلم
13
مباحث في إعجاز القرآن
يظهره ، وقد يداري في وقت ليترك الانتقام إلى الفرصة المؤاتية ، وقد يجبن ويتخاذل ويستسلم ، وقد يردّ بالمثل أو يطغى ، وقد يترفع في الرد أو يسف ، إلا أن مواقف الحيوان محدودة ولا يكون في الغالب إلا تصرف واحد تجاه الحادث الذي يتعرض له . يقول تعالى : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) [ الإنسان : 3 ] إن الإنسان الذي خلقه اللّه سبحانه وتعالى بهذه المثابة وأودع فيه هذه الطاقات والقدرات وأكرمه هذا التكريم وجعل له السيادة على مخلوقاته لم يخلقه عبثا ولن يتركه هملا يقول تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) [ المؤمنون : 115 ] ويقول عزّ وجلّ : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) [ القيامة : 36 ] إن كل ميزة تقابلها مسؤولية وتكليف وعلى قدر عظم نعم الخالق سبحانه وتعالى على المخلوق تأتي التكاليف بأمور العبودية يقول تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ( 72 ) [ الأحزاب : 72 ] . إن الأمانة كما فسرها كثير من المفسرين هي تكاليف العبودية للّه سبحانه وتعالى : إذن السيادة على الكون ، والتكريم بالطاقات والقدرات قوبلت بحمل تكاليف العبودية والاستخلاف في الأرض ، وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات : 56 ] وكلما حقق الإنسان صفة العبودية في نفسه للّه سبحانه وتعالى ، كان أقرب إلى الوفاء بأداء مستلزمات الأمانة وإيفاء العهد والقيام بالدور المنوط به ، وكلما ابتعد عن صفات العبودية للّه تعالى كان تقصيره وتقاعسه في أداء دوره الذي خلق من أجله . لهذا نجد الآيات الكريمة تخاطب سيد الأنبياء والمرسلين في مقامات التكريم والقرب بصفة العبودية يقول تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 1 ) [ الإسراء : 1 ] ويقول جل شأنه : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى